
مثَلُ الإنشاء بعد الموت
قال سبحانه وتعالى(وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) إن حاجة الناس إلى الحديث عن البعث والنشور وإثباته عبر الأدلة القرآنية بالدرجة الأولى ملحة وضرورية لأن المؤمن بالآخرة يحتاج إلى ما يثبت به إيمانه وما يواجه به منكري البعث، والمنكر للآخرة يحتاجه أيضاً شاء أم أبى، ومنهم من يقتنع بالدليل ويعمل به ومنهم من تأخذه العزة بالإثم فيبقى مصراً على الإنكار والكفر، وكثير من الناس من ذوي المعتقدات المتزلزلة يستعظمون فكرة البعث ويستبعدونها لأنها أمر خارق لما اعتادوا عليه ورأوه وسمعوا به في عالم المادة، وهؤلاء وردت إليهم ردود كثيرة في القرآن والسنة تثبت لهم الحق وتبيّن لهم كفرهم وفساد معتقداتهم، ومن جملة الردود القرآنية على إنكار هؤلاء قوله تعالى في سورة الإسراء(وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا) وذلك لأن قدرة الله لا تحدها أية حدود فإن الذي أنشأ الوجود من العدم قادر على أن يعيده مرة أخرى وهو أهون عليه كما في قوله سبحانه(وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) نعود إلى قوله تعالى(وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه) ورد في التفاسير أن رجلاً أتي إلى رسول الله(ص) يحمل بيده عظاماً بالية فضغط عليها بيده فتفتتت فقال لرسول الله هل يحيي الله هذا العظم؟ فنزلت هذه الآية وهي أنه ضرب الأمثال لله واستنكر فكرة البعث وقد نسي خلقه أول مرة فلو كان ذاكراً لخلقه لعلم أن الذي أوجد الوجود من العدم قادر على أن يفعل ما يريد بمجرد إرادته للشيء لأنه إذا أراد أمراً فإنما يقول له كن فيكون.
فقد أجابه القرآن بصريح القول(قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)
ثم راح القرآن يذكر له الأدلة من باب إتمام الحجة مع أن الأمر واضح لا يحتاج إلى دليل لأن استنكار البعث يعني أن هذا الوجود كله لغو، وكل الناس يؤمنون بأن للوجود حكمة على اختلاف الآراء حول تلك الحكمة، نحن كمؤمنين نؤمن بأن الهدف من وجودنا هو الإمتحان والعمل من أجل الآخرة، ومنهم من يقول وجد الإنسان من أجل أن يعمّر الكون، المهم هو أن أكثر الناس يقرون بوجود حكمة من وراء الوجود، والإيمان بالحكمة من وراء الوجود يستلزم الإيمان بالبعث بل هو في نظره أمر ضروري لا بد منه، وهنا بيّن القرآن بعض الأدلة على القدرة:
الدليل الأول: قوله تعالى(الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ) الذي يحييكم مرة أخرى هو الذي خلق الأشياء وجعل لكم من الشجر الأخضر حطباً بقدرته توقدون منه من أجل حاجاتكم.
الدليل الثاني: قوله(أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) والذي خلق السموات والأرض وما فيهما ومن فيهما قادر على أن يخلق مثل ما خلق أو أكثر من ذلك بكثير فلا يصعب عليه شيء.
الدليل الثالث: قوله(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) وهنا يخبرنا بسهولة مسألة الخلق سواء كان أول مرة أو ثاني مرة فإن الأمر لا يكلفه سوى إرادته للشيء ويكون هذا الشيء بقدرته الواسعة.
الشيخ علي فقيه



